الحلقة الخامسة عشرة.. لماذا فشل الزرفي (المتشدد)، وعلاوي (المتساهل)، بينما نجح الكاظمي (الوسطي) بكسب منصب الرئيس ؟ – وكالة بابليون
أحدث_الأخبار
سياسية

الحلقة الخامسة عشرة.. لماذا فشل الزرفي (المتشدد)، وعلاوي (المتساهل)، بينما نجح الكاظمي (الوسطي) بكسب منصب الرئيس ؟

مثل أي عملية سياسية في هذا العالم، تفرز البيئة الحركية، والعمل الحكومي والتنفيذي والتشريعي، إتجاهات عدة، وتتداخل في العمل جبهات مختلفة، ونتيجةً لذاك، فأن ترسخ التجربة السياسية، سينتج خيارات وتيارات من داخلها، حيث ستجد اليمين ويمينه ويساره، وستجد اليسار ويمينه ويساره ايضاً، ستجد المعتدلين في جبهة، وجبهة صقور متشددين، جبهة راديكالية، وأخرى مؤمنة بالخيارات السياسية التقليدية، وهكذا يُبنى التنوع في داخل البيئة السياسية، وتأخذ القوى القارة في العمق تلك التي في العادة ليست ظاهرة، وهي مجموعة من مؤسسات القضاء والاعلام والصحافة والمال والاقتصاد ومؤسسات المجتمع المدني والقوى الدينية والاجتماعية، بالتأثير في البيئة السياسية، عبر دعم هذا الجناح، ومعاقبة هذه الجهة، في بعض الدول تُسمى هذه القوى بالدولة (العميقة)، في تجارب تسمى قوى الضغط التقليدية، وهي في النهاية تفرز نخبة الحكم ونوعه واتجاهه.

في العراق، يمكن الحديث بعد سبعة عشر عاماً عن ولادة تيارات مثل هذه، ويمكن التأشير الى وجود صقور، وحمائم في عمليتنا السياسية، ويمكن تأشير القوى المتشددة، والراديكالية، ويمكن قوى تنتهج الاعتدال السياسي، وهكذا فأن مخاض تشرين 2019، يمكن أن نقول انه اعلن بدء مرحلة جديدة من العمل السياسي، فالقوى الشعبية الناهضة، والتظاهرات الجماهيرية، كانت ثورة ضد قوى التشدد والصقور الذين يتخذون مواقف متشددة أزاء قضايا الداخل والخارج، وأنطلقت التظاهرات باحثةً عن الحلول الوسطى، فلا صقور ولا حمائم تنجح في إدارة دفة حكم بغداد في هذا الظرف الدقيق.

هنا، كانت القوى السياسية في حيرة من أمرها، فأما أن تتجه نحو الصقور، كرئيس الوزراء الأسبق  نوري المالكي، أو السياسي والنائب المعروف عدنان الزرفي، حيث يعرف عن الرجلين التشدد، وحدة القرار ، والتصلب في المواقف،والإقدام على اتخاذ قرارات من الصعب التراجع عنها، مما عنى فيما عنى أن مواجهات حامية الوطيس كانت ستحدث لو وصل هذا الخط القوي للحكم، وكانت الصِدامات متوقعة، مع القوى التي لا ترى أن آوان التفاوض او العودة الى الطاولة لم يحن، لاسيما بعض الفصائل الشيعية التي تعتبر بصراحة التظاهرات الشعبية، بمثابة المؤامرة الكونية على حكمها، لاسيما وأنها اخذت دورها في الحكم ابان حكومة عبد المهدي.

ويمكن مثلاً ان تتغاضى هذه القوى ولو مؤقتاً لو وصل المالكي على سبيل المثال للحكم، لكن الأخير لا يتغاضى عن أي تجاوز، وكان يمكن أن يقود أي تصرف استفزازي من أي طرف، الى ما لا يحمد عقباه، وهذا يعني الذهاب بأقدامنا كقوى سياسية الى الجحيم.

في الجانب الأخر، كان يمكن ان يؤدي الدفع بشخصية مرنة، كالدكتور محمد توفيق علاوي مثلاً الى الرئاسة الى تكرار سيناريو عادل عبد المهدي، حيث عرف عن الرجل المرونة الواضحة، مع كونه شخصية وطنية ذات مؤهلات علمية وعملية، لكن وصول شخصية مثله في هذا الظرف لن يدفع العجلة الى الامام أبداً، بل قد يزيد من غطسها في المكان الذي توقفت فيه حكومة عبد المهدي المنهارة.

ازاء هذه الخيارات الصعبة، كانت القوى السياسية قد نجحت في البحث عن شخصية تحمل جزء من الحزم والقوة، مضافاً اليها اعتدال وقدرة على الاستيعاب والاحتواء، بمعنى أنها تريد ما تريده المرحلة، والظروف، وطبيعة المشهد السياسي، فنجحت بالدفع بالسيد مصطفى الكاظمي الى الواجهة، حيث ان الرجل ساهم منذ توليه منصبه في رئاسة المخابرات العراقية، في عمليات تفاوض مهمة فككت الكثير من الأزمات الداخلية والأقليمية والدولية حتى، ويمكنه أيضاً ان ينجح في تفكيك سلاسل الاحتقان، ونزع فتيل الأزمات الداخلية المُتفاقمة، ويعمل على توفير بيئة مطمئنة لخوض حوار وطني شامل، يناقش اشكاليات الوضع الداخلي الصعب ( القضية الكردية، السلاح خارج الدولة، العلاقة مع الأقليم، العلاقة مع إيران وامريكا، العمق العربي، المناطق السنية، ملف النازحين، العلاقات السياسية المتشعبة، الصراع بين الحشد والقوى المسلحة الشيعية الأخرى، وغيرها من الملفات التي تمثل كلها براميل بارود، قد تنفجر الى حرب داخلية ان لم يحسن أي رئيس وزراء التعامل معها).

من هنا فأن مقبولية الكاظمي السياسية واضحة المعالم، وقد نجح في رسم خارطة طريق مفضية الى تفكيك الألغام وارجاع نوابض القنابل قبل ان تنفجر بوجه الوطن وتحيله الى عصف مأكول  – لا سمح الله- .

اظهر المزيد
0 0 vote
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى